سيرة أدبية
- عمل سكرتيرا لتحرير مجلة اليمامة ثم مديرا لتحريرها
- مديرا لتحرير مجلة التوباد- جمعية الثقافة والفنون
- عمل نائبا لرئيس تحرير جريدة عكاظ
- يعمل الآن مشرفا على تحرير مجلة اليمامة.
- شارك لعدة سنوات في عدة لقاءات أدبية وفكرية داخل وخارج الوطن العربي
- صدر ديوانه الشعري الأول (هواجس في طقس الوطن) عن دار الآداب – بيروت – 1988 وصدرت طبعته الثانية عن نادي حائل الأدبي عام 2008
- 2013 أصدر ديوان “زيارة” عن دار الانتشار ونادي الجوف الأدبي، وديوان “الغناء على أبواب تيماء” عن دار مدارك ونادي تبوك الأدبي.
- صدت الطبعة الثانية من ديوان “زيارة” عن دار خطوط وظلال في الأردن 2021 ، والطبعة الثالثة عن دار رقش في الرياض 2022
- يعد لديوانه الرابع بعنوان “هزيع” الذي سيصدر خلال العام القادم
- نال جائزة محمد حسن عواد للإبداع 2013
- ترجم شعره إلى الانجليزية ضمن مشروع بروتا لترجمة الأدب العربي الحديث عن جامعة الملك سعود وجامعة شيكاغو
فصول من السيرة الذاتية
قلت مرة: إني ولدت بحائل لسيف نجدي و ” زهرة ” جنوبية.
كان أبي جنديا ينحدر من عنيزة، وأمي من الجنوب وتحديداً من أبها – من قرية آل يزيد – التي لا تبعد إلا فراسخ عن أبها.
شارك أبي في حملة الملك فيصل على حدود اليمن.. كان في هذه المهمة ضمن ثلة من رفاق السلاح من منطقة حائل ورافقوا الحملة الى الحدود ثم عادوا إلى أبها وعاد معهم، لم يكن قد تزوج بعد.
يبدو أنه تعرف علي عائلة أمي أو التقي بها، كانت النساء آنذاك يمشين سافرات كما هي عادة أهل الجنوب قديماً وكما عشتها أنا في أول زيارة لي للجنوب بعد أن بلغت ١٢ عاما.
كانت الفتيات بعمر الـ ١٧ و١٩ سنة يبعن بالسوق بأنفسهن، ولكن في مجتمع القيم فلا أحد يجرؤ على الإساءة إليهن سواء لفظيا أو بأي شكل من أشكال الإساءة أو التحرش بهن
كانت مجموعة القيم التي تعيشها مجتمعاتنا تحميها من الاختراق، فلو رفعت إحداهن صوتها على أحدهم لهب السوق كاملاً من بائعين ومشتريين بوجه هذا الرجل ولقامت حرب بين قبيلتين من أجل هذه الإساءة.
وقد كانت القيم سائدة بمجتمع القرى، وأيضا في منطقة نجد، فقد كانت المرأة تستقبل ضيوف زوجها أو والدها بغيابه بشكل طبيعي وتكرمهم وترحب بهم.
عاد أبي لأبها وتزوج بأمي زهرة، ومكث هناك سنوات قبل أن يعود الجيش إلى منطقة حائل التي استقر بها حيث يعيش والده وإخوته. وقد رزق بعدة فتيات ولم يرزق بولد حتى إن آخر أخواتي لم يرد أن يسميها غاضبا من عدم مجيء ذكر فرفض تسميتها وأوكل الأمر إلى عمي الأصغر “عبد الرحمن” الذي سمي أختي “مقبولة” وقد جاءت مقبولة بالفعل لكل من عرفها.
ثم بعد فترة من الزمن عاد الجيش إلى حائل وآثر أبي أن يترك الجندية وقرر أن يفتح محلا تجاريا لبيع التمر والسمن والبقل وحوائج المنزل من سكر وشاي وزيت والخ.. استمر سنوات بها وازدهرت تجارته وكان أكثر زبائنه من رفاق السلاح – رفاق العسكرية -. ثم بعد سنوات جاء أمر بنقل الجيش إلى تبوك.
أمي فريدة من نوعها وتتشابه الأمهات في كثير من الأحيان.
أتذكرها وهي تهدهد أول أحفادها “عبدالله” (سمته أختي الكبرى تيمنا بي) وتنشد:
عبدالله يبغى ينام * نذبح له جوز الحمام * نكذب نكذب يا حمام * نبغى عبدالله ينام.
وهي من “أغاني المهد” وتتضمن التفاتة ذكية أن يخاطب الإنسان الحيوان وهو لا يفهمه ليهدئ من روعه.
كانت أمي محبة للشعر حتى إنها بعد انتقالها إلى تبوك كانت تحمل سمات نجدية فهي تجيد عمل الأطباق النجدية، كالمرقوق والجريش، إجادتها للأطباق العسيرية كالعصيدة والعريكة والتصابيع وكثيرًا ما كانت تردد أبياتا من الشعر لعل أبرزها: جيتك من الصمان تسبدي (كبدي) ذايبه ….. الخ
وكانت محبة للفن أيضا، فكانت أغاني “خلف بن هذال وحجاب ابن نحيت” تتناهي إلى مسامعنا من المطبخ أثناء إعدادها وأخواتي للطعام.
فتحت عيني على والدي وهو بجانب البكم (البيك آب) يستمع إلى أم كلثوم وعبد الوهاب -كان ذويقاً جداً-
وقد كان في بيتنا وبثقافتي بالذات نمطين من الغناء: الأول هو شعبي ونجدي عند أمي وأخواتي،
والثاني طربي – أم كلثوم وعبد الوهاب- عند أبي بالمجلس، ومحمد علي سندي وفوزي محسون وطلال وغيرهم بسهرته مع أصدقائه من تجار السوق وكان معظمهم من الحج.
هذا التجانس بين هذه المدارس أو الأنماط أسس لدي ثقافة بانورامية عالية لتذوق الموسيقى وما تقدمه من شعر يعبر عن ذوق الفنان وثقافته وقد ساهم هذا التنوع في تأسيس ذائقة عالية ومبكرة للشعر والموسيقى واقترابي من الايقاع.
أمي أيضا تسيل منها الرحمة نهر عطاء!
كنت الولد الوحيد بعد خمس بنات عائشة توفيت بالخامسة في أبها، ثم طفلة أخرى اختارها الله بجواره مبكرا قبل أن تتجاوز السنة، ثم موضي، ثم نورة ثم مقبولة ثم عبدالله.
كنا ننام بغرفة واحدة ” لم يكن معهودا أن ينفرد كل واحد بغرفة في ذلك الوقت وأحيانا لمتوسط الحال ومحدوديته” ننام بليالي الشتاء سويا لأن التدفئة لم تكن كهربائية، بل عن طريق الغاز أو مواقد الفحم وبالصباح نشعر بأشياء ناعمة تلامس أرجلنا وأجسادنا وعندما نكشف الغطاء إذ هو تيس صغير ولد للتو خافت أمي عليه من الموت تجمدا (لأن درجة برودة المنطقة تنزل لتحت الصفر خاصة بالصباح الباكر)
وكنا نتعجب كيف لأمي أن تعرف موعد ولادة الماعز لتراقبها طول الليل، يبدو أن هنالك علامات تعرفها الأمهات بحكم تجربتهن مع الماعز بالذات…
سبحان من أودع هذه الرحمة في قلب زهرة!
كنا نشرب أجمل لبن وحليب في بيتنا ويذهب بعضه إلي الجيران ودائما ما يلحّوا بطلبه. من أجمل اللحظات التي جسدت الرحمة التي فطرها الله في قلب زهرته.
عندما رحلت أمي مع أبي انقطعت عن أهلها ١٧ عاما لانقطاع المراسيل بينهم، لا يعرفون سوى أنها بحائل وأعتقد أن كثيرًا من النساء اللاتي تزوجن من أفراد الجيش سواء من الجنوب أو القصيم ارتحلوا بهن وانقطعت أخبارهن خاصة أن البريد كان صعبًا جدا بتلك الأيام ولا تصل الرسائل إلى البيوت أبدا.
١٧ سنة قضتها أمي بين حائل وتبوك وهي لم تر أخويها “عبدالله ويحيى” ، ولشوقهم إليها قرر عبدالله أن يأتي إلى تبوك بحثا عنها عن طريق البر” هناك طريق بري من أبها إلى جدة، إلى المدينة، إلي تبوك.”
سمع أن لأبي دكانًا بالسوق فسأل عنه بوقت الظهيرة وأخبروه أنه لا يفتح إلا بعد العصر وأنه يسكن بـ ” أم درمان “.
تبوك صغيرة في ذلك الوقت والشارع الرئيسي لحارتنا مجاور للسوق لا يفصل بينهما إلا شارع صغير اسمه ” الشديدة “.
مشى في شارعنا وكانت أمي بزيارة إلى بيت أختي موضي التي تزوجت حديثا وبطريقها إلى المنزل.
يبدو أنه سأل بأول الحي عن منزلنا وأخبروه أنه يقع بآخر الشارع وسبحان الله.. وضع الله بطريقه هذه المرأة التي تمشي وكانوا بذلك الوقت يلبسون” زنانيب” في وقت الصيف فقط.
كان لأمي علامة فارقة بعظمة رجلها التي تجاور الأصبع الأكبر وأخوها ذكي جداً بمجرد أن رأى المرأة عرف أنها أخته. ما إن دخلت إلى البيت حتى طرق الباب فلما سألت عن الطارق أجابها باسم أحد أقارب عائلتها الذي يسكن بنفس القرية حتى لا يصعقها ومن عادة أمي الترحيب بضيوفها.
فتحت له الباب واستقبلته وبدأت تسأله عن اخوالها وأخوتها قائله: “من أي عائلة أنت!”
اجابها أنه فلان الفلاني -الذي يشبه أخاها-
وعندما هدأ روعها أخبرها أخيراً بأنه أخوها واحتضنها وبدأت تصرخ وتناديني ” عبدالله يا عبدالله ” جئتها راكضا ووجدت هذا الرجل الذي يضم أمي إلى صدره وهو يقبل رأسها، أرعبني المشهد وعدت لأخبر أخواتي ” نورة ومقبولة” بأن رجلا يحتضن أمي عند الباب وعندما عدت ثانية برفقة أختيّ قالت لي أمي ” تعال سلم على خالك عبدالله “.
عاش خالي معنا لعدة أسابيع، فرحنا به جداً وأعاد وجوده تدفق نهر الذكريات عند أمي.
كانت أمي تجيد إعداد خبز الميفا وهي عادة نقلتها من الجنوب تعجنه بالبيت وتصنع لنا خبزنا الصباحي وعندما أصبح لدينا فرن كانت تصنع فيه رقائق الخبز المدهونة بالسمن والعسل الذي يصلنا من أخوتها.
إلى جانب إتقانها للأكلات النجدية فقد كانت مشهورة بإجادتها للطعام، كان بداخلها فنان والطبخ فن وكل ما نؤديه فن.
ينهمر سيل الذكريات محملا بالأسى عندما أتذكر أمي وقد بدأت عاصفة الزهايمر تختطفها مني، بدأت العاصفة بنسيانها لأوقات الصلاة، تنسى فتسأل من بالبيت من الأخوات أو الحفيدات؛ هل صليت العصر، وارتبط الزهايمر عندها بالأرق، الأرق الذي يستمر ليمتد لأسابيع ثم لأشهر ثم لسنوات إلا من نوم متقطع وغير عميق، كانت عيناها تبرقان بالإجهاد، تلمعان كنجمتين تقاومان الانقطاع، عاشت سنواتها الأخيرة متنقلة بين بيتي وبيوت أخواتي رغم إصراري على أن تبقى بقربي وأبقى بقربها، وحين اشتدت رياح عاصفة الزهايمر بدأت تنكر الوجوه وماهية المكان، كانت دائما ما تطلب أن أقوم بتوصيلها الى بيتها فأحاول إقناعها بأن هذا هو بيتنا فترفض وتصر على رأيها، يصحو بها عنادها الجنوبي فتحتد، في إحدى المرات وكنت معها في بيت أختي الكبرى موضي في تبوك وكانت تصر على الذهاب الى البيت، اصطحبتها في عربتي وذهبنا الى حيث بيتنا القديم الأول الطيني وقد أصبح ساحة فضاء، أوقفت عربتي وأطفأت مصابيحها وقلت هذا هو بيتنا القديم يا أمي، هنا جيراننا الفلان وهنا جيراننا وأعدد أسماء العائلات ثم أنتقل الى حيث نقف فأقول هنا كانت غرفتك وأبي، وهنا كانت غرفتي وأخواتي، وهناك المطبخ والمخزن وحوش الغنم (حين انتقلنا من هذا البيت أصرت على انتقال ماعزها معها، فرضخنا تحت إلحاحها ووفائها أن ننقل الغنم الى الفيلا الجديدة ونضع لها مكانا في السطح) ثم لا تلبث أن تبتهج وكأن المكان استطاع أن يشعل جمر الذكريات تحت رماد الزهايمر فتتذكر وتسأل عن الجيران وأين حل بهم المكان، وتعددت زياراتي معها للبيت القديم في كل مرة تطلب مني إعادتها إلى البيت، وفي إحدى الزيارات عدت لأكتب قصيدتي “زيارة”:
من هاهنا .. نهر الطفولة مر
هذي سدرة الجيران تسدل ظل خضرتها على الجدران
وضممت لي من سدرها ما يملأ الكفين ..
ثم شممته …
فرجعت طفلا
الله يا نهر الندى
قد كنت أحلى ؟
من هاهنا نهر الطفولة سال
فانسابي وئيداً يا خطاي
بين ما يدع المكان على التراب
وبين ما يدع الفتى تحت الأظافر من تراب .
وتماثلي يا شهقتي الأولى
وتعال يا نهر الندى
والمس ثيابي
وتذكري يا روحُ جيراني
فهم ملح الحيا
أما وقد طار الحمام على رؤوس النخل
فأقول سلم يا حمام على صحابي
وكأنني إما أصخت السمع أرهف بوح ضحكتها الخفيضة ..
في إهابي
فأقول سلم يا حمام
قبل أظافرها وقل
مضناك أسقمه النوى
(أو قيل جن .. يمضي إلى الصحراء يلتقط الحصى ويعيد نسج حكاية المجنون)
لا ليله ليلٌ
ولا أيامه مثل النهار
وقل لها
أي والذي جعل النساء خبيئة الأبنا ..
وصب سنى المجرة في زجاج كالمدار..
ما مر سافٍ في خيال الرمل
إلا وهو فوق الرمل .. ذاري
أو مر موجٌ في خيال البحر
إلا وهي رعشته التي نسجت على مهل إزاري
وقل لها أنى تعبت من الجوى
عطشان .. أنتهب الخطى شوقاً إليها
وكأنني النجم الذي أبداً
طوال الدهر ساري
فمتى تفك حبيبتي الأولى …
إساري ؟

